السيد كمال الحيدري

302

شرح بداية الحكمة

الحكم بما هو فعل النفس ، لا بما هو جزء القضية ، أي : إن القضية إنما هي الموضوع والمحمول والحكم ، ولا حاجة في تحقق القضية ، بما هي قضية ، إلى تصوّر النسبة الحكمية ، وإنما الحاجة إلى تصورها لتحقق الحكم من النفس وجعلها الموضوع هو المحمول . ويدلّ على ذلك : تحقق القضية في الهليات البسيطة بدون النسبة الحكمية التي تربط المحمول بالموضوع . فقد تبيّن بهذا البيان : أولًا : أن القضية الموجبة ذات أجزاء ثلاثة : الموضوع والمحمول والحكم والسالبة ذات جزءين : الموضوع والمحمول ، وأن النسبة الحكمية تحتاج إليها النفس في فعلها الحكم ، لا القضية بما هي قضية في انعقاده . وثانيا : أن ) الحكم ( فعل من النفس في ظرف الإدراك الذهني ، وليس من الانفعال التصوري في شيء . وحقيقة الحكم في قولنا زيد قائم - - مثلًا - أن النفس تنال من طريق الحسّ موجوداً واحد ، هو ) زيد القائم ( ثم تجزّئه إلى مفهومي ) زيد ( و ) القائم ( وتخزنهما عندها ، ثم إذا أرادت حكاية ما وجدته في الخارج أخذت صورتي زيد والقائم من خزانتها ، وهما اثنتان ، ثم جعلتهما واحداً ذا وجود واحد . وهذا هو الحكم الذي ذكرنا أنه فعل للنفس تحكى به الخارج على ما كان . فالحكم : فعل للنفس ، وهو مع ذلك من الصور الذهنية الحاكية لما وراءها . ولو كان الحكم تصورا مأخوذاً من الخارج ، كانت القضية غير مفيدة لصحّة السكوت ، كما في كلّ من المقدم والتالي في القضية الشرطية . ولو كان تصوراً أنشأته النفس من عندها من غير استعانة من الخارج ، لم يحك الخارج . وثالثا : أن التصديق يتوقف على تصور الموضوع والمحمول ، فلا تصديق إلَّا عن تصور .